مملكة الألعاب و الكرتون
بسم الله
مرحباً بك أيها الزائر العزيز إلى منتدياتنا
إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى و قد أعجبك فلماذا لا تشارك معنا في أسرته و تتفضل بالتسجيل
أما إن كنت عضواً مسبقاً في المنتدى فنرجو منك تسجيل الدخول
نرجو لك زيارة ممتعة في منتدانا
مع التحية

دوافع الحروب الصليبية و الإعدادات لها

اذهب الى الأسفل

دوافع الحروب الصليبية و الإعدادات لها

مُساهمة من طرف زعيم التنانين في الثلاثاء يوليو 19, 2011 12:34 pm



عدل سابقا من قبل زعيم التنانين في الثلاثاء يوليو 19, 2011 2:15 pm عدل 1 مرات
avatar
زعيم التنانين
الزعيم
الزعيم

البلد : مصر
المتصفح : Firefox
ذكر
عدد المساهمات : 702
العمر : 22
العمل/الترفيه : مصصم
المزاج : رايق
تاريخ التسجيل : 17/10/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://kingdom.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الدافع الديني للحروب الصليبية

مُساهمة من طرف زعيم التنانين في الثلاثاء يوليو 19, 2011 12:45 pm

الدافع الديني للحروب الصليبية

بقلم د/راغب السرجاني



لن نستطيع أن نفهم حقيقة الحروب الصليبية ولا دوافعها وبواعثها بدون اطِّلاع دقيق على الحياة التي كانت تعيشها أوربا في ذلك الوقت، ولا ينبغي أن يكون ذلك على المستوى السياسي فقط، بل يجب أن يشمل أيضًا المستوى الاقتصادي والديني والاجتماعي؛ لنأخذ فكرة كاملة عن الأحوال هناك، ومن ثَمَّ نفقه هذا التوجُّه الأوربي الشامل لغزو العالم الإسلامي الشرقي.

أولاً: الدافع الديني للحروب الصليبية
سيطرة الكنيسة على أوضاع أوربا

في هذه الحقبة التاريخية وفي القرون التي سبقت الحروب الصليبية، وخاصةً القرن التاسع والعاشر الميلادي، وكذلك الحادي عشر الذي تمت فيه الحروب الصليبية، كان للكنيسة سيطرة كبيرة على مجريات الأمور في أوربا، ولم تكن هذه السيطرة فكرية ودينية فقط، بل كانت سياسية واقتصادية وعسكرية أيضًا.

لقد كان في إمكان الكنيسة أن تسحب الثقة من الملوك والأمراء، فتنقلب عليهم الأوضاع، ويرفضهم الخاصَّة والعامَّة، ومن ثَمَّ فالجميع ينظر إلى رأي الكنيسة بقدرٍ كبير من الرهبة والتبجيل، ويكفي للدلالة على قوة البابا في ذلك الوقت أن نذكر موقفًا للبابا جريجوري السابع مع الإمبراطور الألماني هنري الرابع. لقد كان الإمبراطور الألماني هو أقوى ملوك أوربا في زمانه، ومع ذلك فقد غضب عليه البابا في أحد المواقف، ورفض الإمبراطور الاعتذار للبابا، فقام البابا بسحب الثقة منه، وأعلن حرمانه من الرضا الكنسي، وبالتالي حرمانه من الجنة كما يزعم!

وبدأ الناس يخرجون عن طوعه، بل وكاد أن يفقد ملكه، فنصحه مقربوه بالاعتذار الفوري للبابا، فماذا يفعل الإمبراطور الألماني الكبير؟! لقد قرر أن يأتي من ألمانيا إلى روما ماشيًا حافي القدمين! وذلك حتى يظهر ندمه الشديد على إغضابه للبابا. ثم كانت المفاجأة أن البابا رفض أن يقابله لمدة ثلاثة أيام كاملة، فبقي الإمبراطور خارج الكنيسة في المطر والبرد الشديد حتى سمح له البابا بالمقابلة، فما كان من الإمبراطور إلا أن ارتمى على الأرض يُقبِّل قدمي البابا ليصفح عنه!!

لقد كان هذا هو الحل الوحيد أمام الإمبراطور العظيم ليحتفظ بملكه!

وكانت الكنيسة الكبرى هي كنيسة روما، والبابا يستطيع أن يتحكم في كل كنائس أوربا الكاثوليكية، ومن ثَمَّ يستطيع السيطرة على الأحداث في البلاد المختلفة، ولم تكن الكنيسة مكان عبادة أو معلِّم للأمور الدينية فقط، إنما كانت مؤسَّسة ضخمة تُؤدَّى إليها سنويًّا الأموال الغزيرة، ومن ثَمَّ فإنها كانت تملك الإقطاعيات الكبيرة في أوربا، بل وكانت تملك الفرق العسكرية التي تدافع عن هذه الإقطاعيات، وكانت الكنيسة تتحالف مع فرق عسكرية أخرى عند الحاجة، ومن هنا أصبحت الكنيسة تمثِّل الحاكم الحقيقي لمعظم دول أوربا الغربية، وإن لم يكن هناك اتحاد بالمعنى المفهوم بين هذه الدول.

مستوى القساوسة في أوربا

ومع كون الكنيسة تحتل في هذا الوقت هذه المكانة الكبيرة إلا أن القساوسة كانوا على درجة كبيرة من الجهل والتخبط، ولم يكن لهم في الغالب أي كفاءة دينية أو إدارية أو قيادية، ولم يكن هذا فقط، بل إن معظم البابوات في القرن التاسع والعاشر الميلادي كانوا على درجة كبيرة من الفساد الأخلاقي، سواء في قضايا المال أو في قضايا النساء، وكثير منهم قُتل في حوادث أخلاقية مخلَّة، مع أنهم جميعًا كانوا يدَّعون الرهبانية، ويعلنون اعتزالهم مُتَع الحياة، ويشيعون الزهد في الدنيا، ويمتنعون عن الزواج، ثم يرتكبون بعد ذلك أبشع جرائم السرقة، وكذلك الزنا؛ وصدق الله إذ يقول في كتابه واصفًا هذا التحريف والتبديل الذي أضافه هؤلاء القساوسة في دينهم فشقوا على أنفسهم، وما استطاعوا الالتزام بما فرضه بعضُهم على بعض، يقول تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد: 27].

وليس خافيًا على أحدٍ ما حدث منذ عدة سنوات عندما أمسكوا بجيمي سواجارت مع بعض العاهرات في أحد فنادق نيوأورليانز الأمريكية، وكان جيمي سواجارت قسيسًا من الذين يقيمون المناظرات مع الداعية الإسلامي الكبير أحمد ديدات رحمه الله، ثم أَبَى الله إلا أن يكشف أوراقه أمام الجميع، فلا يمر أحدٌ الآن على الفندق الذي أمسكوه به إلا ويتذكر قصة هذا الدعيّ جيمي سواجارت.

ومع هذا الوضع السيئ للبابوات والقساوسة إلا أنهم كانوا يسيطرون على الأوضاع في أوربا، وكان يساعدهم في ذلك السطحية والجهل والتخلف عند معظم شعوب أوربا آنذاك، وكذلك مفهوم الدين عند هذه المجتمعات البدائية، حيث كان الدين عندهم قائمًا على الخرافات والأباطيل، وكانت تسيطر عليهم فكرة الأشباح والأرواح والخوارق مثلما يحدث في مجتمع ريفي بسيط، وكان هذا الوضع المتدني يساعد البابوات والقساوسة في السيطرة على عقول الناس عن طريق نشر الإشاعات والأوهام، وعمليات غسيل المخ التي تمحو كل فرصة للتفكير عند الشعوب.

إشاعة كنسية في أوربا الكاثوليكية

ومن الأفكار المهمة التي أشاعها البابوات والقساوسة في القرن الحادي عشر -أي قبيل الحروب الصليبية بقليل- أن الدنيا على وشك الانتهاء، وأن يوم القيامة قد اقترب جدًّا، وأن هذا مرتبط بمرور ألف سنة على نهاية عهد المسيح u، أي أن هذه الإشاعة بدأت تنتشر في سنة (424هـ) 1033م تقريبًا وما بعدها، وكانوا يفسِّرون كل الظواهر الكونية والطبيعية في ذلك الوقت على أنها أدلة على صدق الإشاعة، ومن ذلك مثلاً ثورة بركان فيزوف في إيطاليا، أو حدوث بعض الصواعق أو الزلازل.

وكان لانتشار مثل هذه الشائعات الأثر في إحداث حالة من الوجل والرعب والهلع عند عموم الناس، وخوفهم المفرط من ذنوبهم، وبروز دور البابوات والقساوسة والكنيسة بصفة عامة لإنقاذ الناس من هذه الضغوط، ومساعدتهم على التخلص من هذه الذنوب، وضرب رجال الدين على هذا الوتر بشدة، واستغلوه في توجيه الناس إلى ما يريدون، وقد كان من أهم الوسائل للتخلص من هذه الذنوب دفع الأموال للكنيسة، وهو الأمر الذي تطور بعد ذلك إلى صكوك الغفران، التي ثار عليها بعد ذلك بقرون مارتن لوثر مؤسِّس البروتستانتية.

علاقة الحج إلى فلسطين بالحروب الصليبية

غير أن هناك وسيلة أخرى أشاعها البابوات والقساوسة للتخلص من الذنوب لها علاقة كبيرة بموضوعنا، وهو التشجيع على رحلات الحج إلى أرض فلسطين مهد المسيح، وذلك للتكفير عن الذنوب، وكانت رحلات الحج التكفيرية هذه تستغرق من الناس جهدًا كبيرًا ووقتًا طويلاً، قد يصل إلى سبع سنوات، وكانت هذه الرحلات بديلاً عن دفع المال الكثير للكنيسة، ومن ثَمَّ رغب فيها الفقراء الذين لا يستطيعون شراء رضاء الكنيسة، ومن هنا توالت رحلات الحج لفلسطين، والتبرك بالآثار هناك، وأصبحت هذه الرحلات ثقافة عامة عند الناس؛ ولذلك انتشر اسم فلسطين، وصار متداولاً بين عموم الناس.

ولا شك أن هذا مهَّد نفسيًّا لقبول فكرة الحروب الصليبية بعد ذلك، فهي تذهب إلى مكان مألوف محبوب سمع الناس كثيرًا عنه، بل وشُجِّعوا على الذهاب إليه، بل إن فلسطين صارت حُلمًا لكثير ممن يريد الذهاب للتخلص من ذنوبه قبل انتهاء الدنيا، غير أنه يفتقد الطاقة البدنية أو المالية ليقوم بالرحلة، وكل هذا -لا شكَّ- أدى إلى تضخيم حجم فلسطين في عيون الغربيين.

وتشير الكثير من المصادر والوثائق أن استقبال المسلمين الذين يحكمون الشام وفلسطين لهؤلاء الحجاج كان استقبالاً طيبًا جدًّا، ولم يثبت أي محاولات تضييق عليهم كما يحاول البابوات أن يشيعوا؛ لكي يسوِّغوا فكرة الهجوم على فلسطين لتسهيل رحلات الحج لنصارى أوربا. فهذه الخلفيات الدينية المعقدة من رغبة حثيثة للكنيسة للسيطرة على عقول الناس وأموالهم، ومن خوف مطَّرد عند الشعوب من فناء الدنيا وكثرة الذنوب، ومن حبٍّ جارف لهذه الأرض التي وُلد بها المسيح، والتي بسبب الرحلة إليها ستُغفر الذنوب. كل هذا وغيره مهَّد لفكرة الحروب الصليبية وغزو فلسطين.

ولعل الخلفيات التي يجب أن تضاف إلى هذه الأمور السابقة، والتي تفسِّر ولع الغرب بقضية فلسطين خصوصًا والشرق عمومًا، هي ظهور رغبة عند بعض بابوات روما لضم الكنيستين الغربية الكاثوليكية والشرقية الأرثوذكسية تحت سقف واحد، يحكمه الكاثوليكيون بالطبع، وكان الذي تبنَّى هذا المشروع بقوة هو البابا جريجوري السابع، وهو البابا السابق مباشرة للبابا أوربان الثاني الذي وقعت في عهده الحروب الصليبية.

وكان من ضمن الخطوات التي أخذها البابا جريجوري السابع لإتمام هذه الخطوة الفريدة أن بدأ يحسِّن من علاقاته مع الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس كومنين، وهو الإمبراطور الذي سيعاصر الحروب الصليبية؛ مما جعل المراسلات بينهما مستمرة، ومما حدا -بعد ذلك- بالإمبراطور البيزنطي أن يستغيث بالغرب الكاثوليكي لنصرته ضد السلاجقة المسلمين، وذلك مع شدة كراهية هذا الإمبراطور الأرثوذكسي لكل بابوات وملوك وشعوب أوربا الكاثوليكية.

ولعل الخلفيات التي ذكرناها سابقًا تفسِّر بوضوح الحميَّة المتناهية التي كانت عند الغرب للمشاركة في الحملات الصليبية، ومع ذلك فليست الخلفية الدينية ولا الدافع الديني هو الوحيد عند الشعوب الأوربية آنذاك، ولكن كانت هناك عوامل ودوافع أخرى مؤثرة جدًّا، مثل العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
avatar
زعيم التنانين
الزعيم
الزعيم

البلد : مصر
المتصفح : Firefox
ذكر
عدد المساهمات : 702
العمر : 22
العمل/الترفيه : مصصم
المزاج : رايق
تاريخ التسجيل : 17/10/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://kingdom.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الدوافع السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحروب الصليبية

مُساهمة من طرف زعيم التنانين في الثلاثاء يوليو 19, 2011 12:56 pm

الدوافع السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحروب الصليبية

بقلم د/راغب السرجاني

ثانيًا: الدافع الاقتصادي



عاشت أوربا عدة قرون تعاني من أزمات اقتصادية طاحنة، فمع خصوبة الأرض إلا أنها مليئة بالغابات، واستصلاح الأراضي وزرعها يحتاج إلى فنٍّ وجهد وتقنية، ولم يكن هذا متوفرًا في هذه البيئات الجاهلة، وخاصةً في المناطق الشمالية ذات الصقيع القارس، هذا فوق ضعف المواصلات وانقطاع الطرق؛ مما كان يمنع وصول الغذاء من مكان إلى مكان ولو بغرض التجارة، ومن ثَمَّ فإن نقص الإنتاج المحلي من الغذاء كان يعني ببساطة المجاعة القاتلة!

وكانت هذه المجاعات تستمر أحيانًا سنوات، مما يؤدِّي إلى فناء قرى ومدن، وكان انتشار الأمراض وانعدام العلاج يساهم في موت المزيد والمزيد، وكل هذه الأمور جعلت الفقراء والفلاحين يضيقون ذرعًا بحياتهم، ويشعرون بالإحباط الدائم واليأس المستمر، فإذا أضفت لكل ذلك الضرائب الباهظة التي كان يدفعها الفلاحون أدركت مدى المعاناة التي كانوا يعيشونها.

وفي أخريات القرن الحادي عشر، وخاصةً في السنوات العشر التي سبقت الحروب الصليبية حدثت مجاعات رهيبة قاتلة، خاصةً في شمال فرنسا وغرب ألمانيا، ولعل هذا يفسِّر خروج الكثير من الجيوش من هذه المناطق، التي كان لا بد لها من أن تهرب إلى أي مكان به طعام وشراب، ولو كان هذا المكان على بُعد مئات وآلاف الأميال، فلن يكون أسوأ من الموت جوعًا.

وعلى النقيض من هذه الصورة، كانت هناك صورة مغايرة تمامًا عند بعض الاقتصاديين في أوربا، وخاصةً في الجنوب الأوربي وعلى سواحل البحر الأبيض المتوسط، فقد ازدهرت التجارة البحرية في ذلك الوقت وأفاد تجَّار الجنوب الأوربي من وجودهم على السواحل في التجارة مع حوض البحر الأبيض المتوسط بكامله، بل تجاوزوه إلى داخل آسيا وإفريقيا. وكان من أبرز الموانئ التي ظهرت في الفترة التي سبقت الحروب الصليبية موانئ إيطاليا، وخاصةً جنوة وبيزا، فكانت هذه الموانئ تمثِّل قوة اقتصادية مؤثرة في هذا الوقت، وكانت القوة الاقتصادية المنافسة الوحيدة هي قوة الاقتصاد الإسلامي، وكانت لهذه القوة مراكزٌ مهمة في الشام ومصر والمغرب، وكذلك في الأندلس، وكان هذا التنافس دافعًا للموانئ الإيطالية أن تتربص بالمسلمين قدر استطاعتها، ودفعها ذلك إلى تجهيز الحملات العسكرية لإخراج المسلمين من صقلية، وتمَّ لهم ذلك كما مر بنا، وخرج المسلمون خروجًا نهائيًّا من صقلية سنة (484هـ) 1091م بعد حكم مائتين وسبعين سنة، وهذا يسبق الحروب الصليبية بسبع سنوات فقط، ولا شك أن هذا جعل الطريق البحري آمنًا إلى حد كبير.

ومن هنا حرص تجار إيطاليا على دعم الحملات الصليبية المتجهة للشرق، فهم بذلك سيقضون على منافسهم الوحيد، ومن ناحية أخرى سيفتحون سوقًا هائلاً لتجارتهم في هذه البقاع الإسلامية.

وهكذا كان هناك شبه اتفاق بين المطحونين الكادحين الجائعين، وبين الاقتصاديين والأثرياء المتخمين لغزو العالم الإسلامي والمشاركة في الحروب الصليبية!

ثالثًا: الدافع السياسي

في القرن الخامس الميلادي، وبالتحديد في سنة 476م، سقطت الإمبراطورية الرومانية الغربية العتيدة، وذلك تحت الضربات الموجعة للقبائل الجرمانية الشمالية، وهي قبائل همجية عنيفة لم تنظر بأي عين من الاعتبار للحضارة الرومانية المتميزة، بل سعت إلى التدمير والإبادة. وفي غضون قرنين من الزمان، كانت القبائل الجرمانية قد انتشرت في كل أوربا، وكان هذا الانتشار مصحوبًا بنشر الأفكار الجرمانية العنيفة، والسلوك الإجرامي عند عامة الناس.

ثم شهد القرنان التاسع والعاشر الميلادي - قبل الحروب الصليبية بقرن من الزمان - عدَّة هجمات ضارية على أوربا، سواء من الفايكنج القادمين من إسكندينافيا أو من المسلمين القادمين من الأندلس أو الشمال الإفريقي، وهذا ساعد في زيادة الروح القتالية عند عموم الناس، وتحول الأوربيون إلى الشكل العسكري، حتى صارت صورة الشخص النبيل العظيم هي صورة الفارس المقاتل.

ونتيجة نمو هذا الفكر العسكري داخل أوربا، كان لا بد للقوى المختلفة أن تصطدم معًا، فبدأ الصراع بين الدول الأوربية المختلفة بغية التوسع والسيطرة، ثم قُسِّمت الدول إلى إقطاعيات منفصلة متصارعة فيما بينها، وعلى كل إقطاعية أمير قد يدين بالولاء أو لا يدين للملك العام على الدولة، وكوَّن كل أمير ميليشيات عسكرية خاصة به، وعمَّت الفوضى كل أرجاء أوربا؛ مما أدى إلى فَقْد الكنيسة السيطرة على هذه القوى الكثيرة والمتناحرة.

وكان الوضع أشد ما يكون ترديًا في فرنسا، حيث فقد ملك فرنسا السيطرة كُلِّيَّةً على البلاد، وصار الحكم فيها لأمراء الإقطاعيات، وتفتَّتت الدولة إلى إمارات متعددة، كلٌّ منها له جيشه الخاص. أما الوضع في ألمانيا فكان أفضل حالاً، حيث ظهر فيها ملك قويّ هو هنري الثالث، ثم ابنه هنري الرابع، وذلك في القرن الحادي عشر وقبيل الحروب الصليبية مباشرة؛ وهذا أدى إلى تماسك الوضع نسبيًّا في ألمانيا، وإن كان هناك خلافا خطيرا نشأ بين هنري الرابع والبابا في روما كما مر بنا، كان له توابع سنراها مع سير الأحداث.

وفي إنجلترا ظهر ملك قوي أيضًا هو وليم الفاتح، ولكن وضع إنجلترا الاقتصادي كان سيئًا جدًّا؛ مما جعلها مشغولة تمامًا بنفسها. أما الدويلات النصرانية في شمال الأندلس، فكانت تبذل كل طاقتها في حرب المسلمين هناك.

وتأتي القوة العسكرية الأخيرة في غرب أوربا متمثلة في إيطاليا، وكانت في الواقع قوة كبيرة، خاصةً في المناطق التي يسيطر عليها النورمانديون في جنوب إيطاليا، وبالذات بعد ظهور زعيم قوي جدًّا هناك هو روبرت جويسكارد، الذي كانت له أحلام توسعية هائلة وصلت إلى حروب مباشرة مع الدولة البيزنطية العتيدة، وقد استطاع هذا القائد أن يُسقِط البلقان البيزنطية تحت سيطرته، بل وبذل أولى المحاولات لاحتلال أنطاكية التي كانت في حوزة البيزنطيين ثم المسلمين، وكان الذي يبذل هذه المحاولات هو ابنه شخصيًّا، وهو الأمير بوهيموند، الذي سيكون بعد ذلك أحد أمراء الحملة الصليبية الأولى.

كما صاحب ظهور هذه القوة الإيطالية المتنامية نمو سريع لأسطول بحري عسكري لميناء البندقية الإيطالي، وصار له أثر مباشر في تغيير سير الأحداث في حوض البحر الأبيض المتوسط بكامله.

إذن فالوضع السياسي في أوربا كان يضم عددًا كبيرًا من العسكريين المتصارعين، والمتنافسين على تقسيم البلاد عليهم، ولما كانت أوربا ضيقة وطبيعتها الجبلية والثلجية معوِّقة، كان التفكير في التوسع خارج أوربا، كما فكر في ذلك روبرت جويسكارد زعيم النورمانديين الإيطاليين، كما سيحدث بعد ذلك في الحروب الصليبية.

رابعًا: الدافع الاجتماعي

لم تكن الشعوب الأوربية في ذلك الوقت شعوبًا مستقرة، بل كانت تعيش حياة البدو الرُّحَّل، حيث ينتقلون من مكان إلى مكان سعيًا وراء الطعام أو الأمن؛ وهذا أدى إلى عدم وجود روح الاستقرار والتمسُّك بأرض معينة. ولعل هذا سهَّل كثيرًا على الناس أن يتركوا أوربا بكاملها، ويتجهون إلى فلسطين بحثًا عن نظام حياة أفضل وأسعد.

وكان الفلاحون في أوربا يعانون بطش أمراء الإقطاع، ولم يكن للفلاحين أدنى حقوق، بل كانوا يباعون مع الأرض، ويستغلون تمام الاستغلال لجلب الرفاهية لمالك الإقطاعية، وهذا ولَّد عندهم شعورًا بالحقد تجاه ملاَّك الأراضي وملاَّكهم، ولكن لم يكن لهم فرصة ولا حتى حُلم في الخروج من أزمتهم.

وفوق هذا الأسى الذي كان يعيشه معظم الشعوب فإن الجهل كان مُطبِقًا على الجميع، وكانت الأمية طاغية، ولم يكن هناك أي ميل للعلوم، وهذه الحالة المتخلفة جعلت من السهل جدًّا السيطرة عليهم بأية أفكار أو دوافع، ولم يكن عندهم من القدرة العقلية والذهنية ما يسمح لهم بتحليل الأفكار المعروضة عليهم، أو ما يمكِّنهم من الاختيار بين رأيين متعارضين، وهذا كله -ولا شك- سهَّل مهمة إقناعهم بترك كل شيء، والتوجه للحرب في فلسطين!

هذه الخلفيات التي بحثناها، وضحت لنا أن المجتمع الأوربي كان مكوَّنًا من طوائف شتى: دينية وسياسية واقتصادية وشعوبية، وكل هذه الطوائف لها أهدافها ومطامعها، تصغر أو تكبر بحسب حجمها، وسيكون من العجيب حقًّا أن تظهر شخصية تجمع أهداف هذا الشتات في هدف واحد، وتدفعهم جميعًا على اختلاف مستوياتهم المادية والعقلية في اتجاه واحد، فيخرج الجميع، كلٌّ يبحث عن غايته، وكلٌّ يسعى لتحقيق سعادته.

تُرى من هي هذه الشخصية؟ وكيف جمعت هذا الشتات؟ وما هي البواعث الحقيقية للحروب الصليبية؟ وهل هي حرب سياسية أم اقتصادية أم دينية؟ هذا ما سنعرفه بإذن الله في المقال القادم.
avatar
زعيم التنانين
الزعيم
الزعيم

البلد : مصر
المتصفح : Firefox
ذكر
عدد المساهمات : 702
العمر : 22
العمل/الترفيه : مصصم
المزاج : رايق
تاريخ التسجيل : 17/10/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://kingdom.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

البابا أوربان الثاني شخصية الحرب الصليبية

مُساهمة من طرف زعيم التنانين في الثلاثاء يوليو 19, 2011 1:09 pm

البابا أوربان الثاني شخصية الحرب الصليبية

بقلم د/راغب السرجاني

البابا أوربان الثاني.. شخصيته وتوجهه الفكري



تولى الكرسي البابوي في سنة (480هـ) 1088م رجل من الرجال المهمين في الكنيسة الغربية، وكان لولايته الأثر في تغيير عدة صفحات متتالية من التاريخ، بل ولعل الآثار التي أحدثها هذا الرجل ما زالت موجودة إلى الآن. وهذا الرجل هو أوربان الثاني الذي تولى الكرسي البابوي في روما إحدى عشرة سنة، وذلك من سنة (480هـ) 1088 إلى سنة (492هـ) 1099م، وكان هو الآخذ لقرار الحروب الصليبية على المشرق الإسلامي.

وكان أوربان الثاني رجلاً ذكيًّا سياسيًّا لبقًا، وكان خطيبًا مفوَّهًا، وكان أيضًا جريئًا حاسمًا، وكان مطلعًا على أحوال العالم المعاصر له، وفوق كل ذلك كان يُكِنُّ حقدًا كبيرًا على المسلمين، سواء في بلاد المشرق حيث يحكمون أرض المسيح u، أو في الأندلس حيث يحكمون قطعة أوربية مهمَّة على مدار أربعة قرون متتالية حتى زمان تولِّيه البابوية. ثم إنه كان رجلاً ذا طموح كبير، وأحلام واسعة بأن يكون هو الزعيم الأكبر والأوحد للمسيحيين جميعًا في العالم، وذلك بتوحيد الكنيستين الغربية والشرقية؛ استكمالاً لجهود البابا الذي سبقه وهو جريجوري السابع.

الإمبراطور البيزنطي يستنجد بأوربان الثاني

وكانت العلاقات كما ذكرنا قبل ذلك قد تحسنت نسبيًّا بين البابا السابق جريجوري السابع والإمبراطور البيزنطي ألكسيوس كومنين، ولقد طلب هذا الأخير المساعدة قبل ذلك من جريجوري السابع لنصرته ضد السلاجقة المسلمين، ولكن حركة جريجوري السابع لم تكن بالقوة المناسبة، ومن ثَمَّ فلم يكن هناك تحرك يُذكر لمساعدة البيزنطيين.

غير أن الإمبراطور البيزنطي كرَّر المحاولة مرة ثانية، وأرسل وفدًا جديدًا إلى إيطاليا في مارس سنة (487هـ) 1095م لمقابلة البابا أوربان الثاني، وتجديد طلب المساعدة منه.

أوربان الثاني واستغلال الفرصة

فكر البابا أوربان الثاني في الأمر، ووجد أنه لو استغل هذه الفرصة واستجاب لطلب الإمبراطور البيزنطي، وعلى نطاق واسع، فسوف يحقِّق عدة أهداف في غاية الأهمية، وفي ضربة واحدة.

فهو أولاً: سيعيد إبراز دور الكنيسة في حياة الأوربيين، حيث سيحمل البابا من جديد دعوة تهمُّ كل الشعوب الأوربية، وهي دعوة ستحمل بين طياتها الغفران الذي يبحث عنه الناس آنذاك بين يدي البابا.

وثانيًا: سيقوم البابا بحملة عسكرية تشمل التنسيق بين ممالك وإمارات أوربا المختلفة، وسيحتفظ بالقيادة في يده، فهو بذلك سيستعيد سلطان الكنيسة العسكري والسياسي على كامل أوربا؛ وحيث إن القضية ذات طابع ديني، فالذي سيرفض قد يعاقب بالحرمان، وسحب الثقة، وقد يؤدِّي ذلك إلى زلزلة عرشه، وبالتالي يصبح البابا هو الشخصية الأولى في أوربا سياسيًّا كما هو دينيًّا.

وثالثًا: لن يتحسن وضع البابا دينيًّا وسياسيًّا فقط، بل سيتحسن اقتصاديًّا أيضًا، فالبلاد التي ستفتح ستدر أموالاً كثيرة، والأوربيون الذين لن يستطيعوا المشاركة سيدفعون للكنيسة الأموال؛ تكفيرًا عن امتناعهم عن الذهاب لفلسطين.

ورابعًا: الثروات التي ستأتي من فلسطين والشام، ستحل المشاكل الاقتصادية الطاحنة التي تعاني منها أوربا؛ وبذلك ستستقر الأوضاع المضطربة في أوربا.

وخامسًا: ستنصرف طاقات أوربا العسكرية إلى حرب خارجية يُبرِزون فيها قدراتهم ويستنزفون فيها رغباتهم العنيفة، وذلك بدلاً من التصارع الداخلي بين الإمارات والإقطاعيات.

سادسًا: ستشن أوربا الصليبية حربًا على العدو التقليدي لهم وهم المسلمون، وهي حرب في نظر البابا لا نهاية لها، ولن يرضى من المسلمين بشيء إلا بتغيير الدين.

سابعًا: سيقوم البابا بذلك بنجدة آلاف الفقراء الذين يموتون في أوربا سنويًّا نتيجة الجوع والمرض والبرد، وسيشعر الجميع بذلك بالرضا نحوه.

وثامنًا: ستتاح للبابا الكاثوليكي الفرصة الذهبية ليضم الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية إلى كنيسته الكاثوليكية، وذلك تحت سيطرته هو، فهو الذي جاء من أقصى البلاد لينقذ النصارى الشرقيين من المسلمين.

وتاسعًا: سيحقِّق حُلمًا عاطفيًّا دينيًّا قديمًا، بالسيطرة على الأرض التي وُلد فيها المسيح وعاش.

وعاشرًا وأخيرًا: قد لا تتكرر بعدُ ذلك الفرصة المناسبة التي تبرر للشعوب هذه الحروب الضخمة والتضحيات الهائلة، فالآن النصارى الشرقيون يستغيثون، ومن ثَمَّ فهناك مسوّغ أن تنفق الأموال، وتُزهَق الأرواح لنجدتهم، وستصبح صورة الحرب نبيلة، وستسكت الشعوب الأوربية عن مساءلة البابا عن الثمن الباهظ الذي سيدفعه في هذه الحروب، بينما لو كان المبرر للقتال ليس واضحًا فقد يَفْقد البابا عرشه إذا خسرت أوربا كثيرًا في حربها، وذلك مثلما حدث مع رومانوس الرابع إمبراطور الدولة البيزنطية، الذي خُلع من منصبه بعد الهزيمة الساحقة من السلاجقة في موقعة ملاذكرد. فالبابا سيحقق كل المكاسب باستغلال هذه الفرصة، ولن يخسر شيئًا لو حدث مكروه للجيوش؛ لأنه في النهاية يحارب من أجل أهداف نبيلة فيما يبدو للناس.

فتلك عشرة كاملة!!

ومن هنا فإن البابا تحمَّس كثيرًا للطلب الذي طلبه الوفد البيزنطي الأرثوذكسي، بل إنه جعل الوفد يقابل المجمع الكنسي المجتمع في إيطاليا آنذاك؛ ليعرض صورة الوضع في الشرق، وذلك يكون أبلغ في التأثير في القساوسة، وينفي عن البابا شبهة التخطيط المنفرد للحملة ودون سبب واضح. وقد تحمس الحضور للفكرة، وتكلم البابا مؤيدًا لكلام الوفد البيزنطي، وقرر أن يُعِدَّ العدة لأخذ التدابير اللازمة لغزو الشرق الإسلامي.

ماذا فعل البابا؟ وأين عقد المؤتمر الكنسي الكبير؟

لقد قرَّر أن يعقد مجلسًا كنسيًّا كبيرًا يضم القساوسة من أطراف أوربا الغربية، وذلك لبحث أحوال الكنيسة المتردية، ثم في نهاية هذا المجلس الكنسي يعقد مؤتمرًا موسعًا يدعو إليه أمراء الإقطاعيات المختلفة، وكذلك الملوك إن أمكن، بل ويدعو إليه عامَّة الشعب؛ ليصبح مؤتمرًا جماهيريًّا مؤثرًا، وفي هذا المؤتمر سيدعو إلى التوجُّه عسكريًّا إلى فلسطين.

ولكن بقي السؤال: أين سيعقد هذا المؤتمر الكبير؟

كان البابا على خلاف مع معظم ملوك أوربا، وخاصةً هنري الرابع ملك ألمانيا، ولكنه كان على علاقة طيبة مع أمراء الإقطاعيات، وخاصةً في فرنسا؛ ولذلك قرر البابا أن يستفيد من علاقاته هذه مع الأمراء في فرنسا فيعقد المؤتمر هناك، وخاصةً أن الكثافة السكانية في فرنسا كبيرة، إضافةً إلى المجاعة الكبيرة التي ضربت شمال فرنسا وشرقه في السنوات العشر الأخيرة، مما أثَّر في الظروف الاقتصادية، وبالتالي سيكون قبولهم لفكرة الحروب ضد الشرق الإسلامي فكرة مقبولة لإخراجهم من أزماتهم الكثيرة.

ومن ثَمَّ قرر البابا أن يعقد مؤتمره الجامع في مدينة كليرمون الفرنسية وذلك في (488هـ) 27 من نوفمبر سنة 1095م، وقد آثر أن يكون الوقت متأخرًا نسبيًّا؛ ليكون هناك فرصة لتبليغ الدعوة في أطراف فرنسا، وليحضر أكبر عدد من الفرنسيين. كما آثر ألا يكون المؤتمر في باريس؛ لكي لا يصطدم مع فيليب الأول ملك فرنسا، الذي كان على خلاف مع البابا، وأيضًا على خلاف مع أمراء الإقطاعيات الذين يعتمد عليهم البابا في مهمته.
avatar
زعيم التنانين
الزعيم
الزعيم

البلد : مصر
المتصفح : Firefox
ذكر
عدد المساهمات : 702
العمر : 22
العمل/الترفيه : مصصم
المزاج : رايق
تاريخ التسجيل : 17/10/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://kingdom.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مجمع كليرمون.. خطبة أوربان الثاني ونتائجها

مُساهمة من طرف زعيم التنانين في الثلاثاء يوليو 19, 2011 1:25 pm

مجمع كليرمون.. خطبة أوربان الثاني ونتائجها

بقلم د/راغب السرجاني



قرر البابا أوربان الثاني أن يعقد مؤتمره الجامع في مدينة كليرمون الفرنسية وذلك في (488هـ) 27 من نوفمبر سنة 1095م، وكان البرد شديدًا في ذلك اليوم، ومع ذلك فقد لبَّت جموع هائلة دعوة البابا، واجتمعوا في أحد الحقول الفسيحة في كليرمون، بل وامتلأت القرى والمدن المجاورة لكليرمون بالقادمين من كل مكان لسماع الخطبة المهمة التي كان البابا يرتِّب لها منذ سبعة أشهر كاملة.

خطبة البابا أوربان الثاني في مجمع كليرمون

خطب البابا أوربان الثاني خطبة طويلة عصماء، وكان بليغًا مفوهًا، وصبرت الجموع في البرد الشديد، بل وتفاعلت تفاعلاً كبيرًا مع كلمات البابا، الذي ضرب على أكثر من وتر في خطبته؛ وذلك ليؤثِّر في كل الحضور على اختلاف نوعياتهم وظروفهم وأهدافهم.

وقد جاءت خطبة البابا في أكثر من رواية من الروايات الأوربية التي صوَّرت الحدث، واستخدم فيها أكثر من وسيلة لإقناع الحضور بضرورة التوجه إلى فلسطين لنجدة النصارى الشرقيين، ولحماية الحجاج المسيحيين الذين يعانون - كما يصور البابا - من ظلم وبطش الكفار (وهو يقصد المسلمين).

البابا ومؤثرات الإقناع في خطبته

كان من المؤثرات التي استخدمها البابا في خطبته أنه لا يتكلم في هذه الخطبة نيابة عن نفسه، وإنما يتكلم نيابة عن المسيح u نفسه، فقال مثلاً: "ومن ثَمَّ فإنني لست أنا، ولكن الرب هو الذي يحثكم باعتباركم وزراء المسيح أن تحضوا الناس من شتى الطبقات". واستخدم فيها نصًّا من إنجيل لوقا فيه: "ومن لا يحمل صليبه، ويأتي ورائي فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا".

وكان من المؤثرات أيضًا أنه وعد المشاركين في الحملة بالغفران، وهو مطلب جماهيري في ذلك الوقت، خاصةً مع شعور الناس أن الدنيا ستفنى قريبًا كما وضحنا قبل ذلك في مقال "الدافع الديني للحروب الصليبية"، وكان من كلام البابا في هذه النقطة أنه قال: "إني أخاطب الحاضرين، وأعلن لأولئك الغائبين، فضلاً عن أن المسيح يأمر بهذا، أنه سوف يتم غفران ذنوب كل أولئك الذاهبين إلى هناك، إذا ما انتهت حياتهم بأغلالها الدنيوية، سواء في مسيرتهم على الأرض، أو أثناء عبورهم البحر، أو في خضم قتالهم ضد الوثنيين (يقصد المسلمين)، وهذا الغفران أمنحه لكل من يذهب بمقتضى السلطة التي أعطاني الرب إياها". وهو في هذا المقام يقول للجميع أنكم في كل الأحوال محققون للفائدة والخير، فحتى لو وصل الأمر لحدِّ الموت، فإن المشارك سيموت وهو مغفور الذنب.

وكان من المؤثرات أيضًا أنه استفاض في تصوير مدى الألم والمعاناة التي يشعر بها الحجاج النصارى في فلسطين، وهذا كله من الكذب والزور، ولكنه صوَّر القضية كقضية إنسانية مؤثرة.

وكان من المؤثرات أيضًا أنه لوَّح بوضوح بالثراء الذي عليه بلاد الشرق، بل إنه ذكر لهم ما جاء في الإنجيل عن أرض فلسطين حيث قال: "ووهبنا هذه الأراضي التي تفيض لبنًا وعسلاً". يقصد فلسطين، وبذلك حرَّك عواطف الفقراء والأمراء معًا؛ فالفقير يبحث عن الحياة، والأمير يبحث عن التوسع والتملك.

وكان من المؤثرات أيضًا أنه نبَّه الفرسان إلى وجود ميدان خصب لاستعراض قوتهم، وإبراز كفاءتهم بدلاً من التصارع معًا، وإخلال الأمن في داخل أوربا.

وكان من المؤثرات أيضًا امتداح شجاعة الفرنسيين وقدراتهم القتالية، وأيضًا امتداح تاريخ أسلافهم، وتحميلهم تبعات سيادة أوربا وريادتها.

وكان من المؤثرات أيضًا جذب المديون بوضع الدَّين عنه إذا شارك في القتال أو تقسيطه على فترات طويلة، وإعفاء أملاك الملاَّك من الضرائب أثناء القتال، وإعفاء المجرمين من العقاب على جرائمهم إنْ هم شاركوا في الحملة.

ولقد صاغ البابا أوربان الثاني كل هذه المؤثرات بأسلوب بديع، وكلمات مؤثرة، وحجج مقنعة حتى دخلت كلماته قلوب كل الحضور، وأشعلت -رغم البرد الشديد- حماسة كل السامعين، حتى إنه بمجرد الانتهاء من كلمته استجاب الحضور استجابة هائلة، وقاموا يطلقون صيحة واحدة، يقولون فيها: "الرب يريدها" Deus lo volt، وهي الصيحة التي صارت شعارًا للحرب بعد ذلك.

ومن الجدير بالذكر أن البابا أوربان الثاني نفسه لم يكن يتوقع هذه الاستجابة الهائلة من الناس، بل إن هذه الاستجابة الضخمة أقلقته؛ لأنه كان يريد الاعتماد على الفرق النظامية والجيوش المدربة وليس العوام من الناس، ولكن العامَّة وجدوها فرصة للهروب من أزماتهم ومشاكلهم وديونهم وجوعهم ومرضهم، وبالتالي لم يكن هناك فرصة للتراجع.

لقد كانت ثورة حقيقية في فرنسا، ومنها انتقلت إلى كل غرب أوربا. وفي هذا المؤتمر أعلن البابا أوربان الثاني أنه على كل من قرَّر الخروج إلى هذه الحملة أن يحيك صليبًا من قماش أحمر ليضعه على كتفه؛ إشارةً إلى دينيَّة الحملة، ونبل المقصد.

خطة أوربان الثاني بعد المؤتمر

غير أن البابا لم يكتف بالحماسة الطاغية في المؤتمر، إنما أتبع ذلك بخطة عمل محكمة تضمن استمرارية الحماسة، وقوة التفاعل؛ ولذلك فقد قام البابا بعدة خطوات مؤثرة، كان منها ما يلي:

أولاً: الحرص على وجود الغطاء الكنسيّ، والهيمنة البابوية على الحملة من بدايتها الأولى؛ ولذلك عيَّن في يوم مؤتمر كليرمون الأسقف أديمار دي مونتي أسقف لوبوي Le Puy قائدًا عامًّا رُوحيًّا للحملة، وكان بمنزلة نائب البابا في هذه الرحلة.

ثانيًا: تواصل البابا مع كل المجامع الدينية في أوربا الغربية؛ ليأخذوا على عاتقهم مهمة تحميس الناس في مدنهم وقراهم، وبذلك تنتشر الدعوة إلى الحرب في كل مكان.

ثالثًا: قام البابا بتكليف أحد رهبان اميان، وكان يُدعى بطرس الناسك، بالقيام بجولات مكثفة في أوربا لتحميس الناس، وجمع المقاتلين لغزو فلسطين، وكان بطرس الناسك هذا رجلاً موهوبًا في الخطابة، وكان يلبس الملابس الرَّثَّة، ويمشي حافي القدمين، ويركب حمارًا أعرجَ، فأخذ القضية بمنتهى الجدية، وبدأ في التجول في أنحاء فرنسا، وخاصةً في الشمال الشرقي منها، وكان له فعل السحر في الناس، فكانوا يتبعونه بالعشرات والمئات والآلاف، واستطاع في غضون شهور قليلة أن يجمع خمسة عشر ألف رجل، غير نسائهم وأطفالهم، وكان جُلُّ من انضم إليه من عوام الناس الفقراء، ومن المجرمين الخارجين على القانون. كما انضم إليه عدد قليل من الفرسان وأمراء الإقطاعيات. وعُرفت المجموعة التي كوَّنها بطرس الناسك بحملة الرعاع أو حملة العامة؛ لأنها لم تكن لها صبغة الجيش أو الميليشيات، إنما كانت عبارة عن مجموعات ضخمة من العوام غير المنظمين.

وكما قام بطرس الناسك بجولته هذه، قام راهب آخر يدعى (والتر) ويلقَّب بالمفلس، واستطاع هو الآخر أن يجمع عددًا كبيرًا من المتطوعين الراغبين في الذهاب مع الحملة.

رابعًا: لم يشأ البابا أن يترك الأمور هكذا مفتوحة دون تحديد حتى لا يطول أمد التجميع والتجهيز، فحدَّد موعدًا معينًا ومكانًا معينًا لاجتماع الجيوش والفرق من شتى البلدان؛ فأما الموعد فكان (23 شعبان سنة 489هـ) 15 من أغسطس سنة 1096م، وأما المكان فكان في القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية.

وكان هذا الموعد متأخرًا ليأخذ الفرصة لجمع الجيوش، وكذلك لتجميع المحاصيل في أول الربيع، ثم تتحرك الجيوش مباشرة حيث ستقضي في الطريق ثلاثة أشهر تقريبًا. وكان المكان المختار للتجمع هو القسطنطينية؛ لأنها آخر محطة تقريبًا قبل دخول الأراضي الإسلامية في آسيا الصغرى، حيث كان من المخطط أن يحارب الصليبيون السلاجقة هناك ثم في الشام، وذلك قبل الانتقال إلى الهدف الأخير وهو فلسطين، وخاصةً بيت المقدس. ومن جانب آخر فإنه كان لا بد من لقاء الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس كومنين؛ وذلك لترتيب سبل التعاون معه لتسهيل أمور الحملة الصليبية.

خامسًا: قام البابا بعدة مراسلات مع ملوك وأمراء أوربا ليحثهم على الخروج معه في الحملة، ولم يحقق في هذا المجال نجاحًا يُذكر مع الملوك، ولكن حقق نجاحًا كبيرًا مع الأمراء، وعلى رأس هؤلاء الأمراء ريمون الرابع كونت تولوز وبروفانس، وهو من الأمراء الكبار الذي كان مهتمًّا جدًّا بحرب المسلمين، حيث حاربهم قبل ذلك في الأندلس، كما ذهب أيضًا للحج في بيت المقدس، وكان يرى في نفسه الكفاءة لقيادة الجيوش بكاملها، واستغل البابا حماسته هذه وعقد معه عدة اجتماعات، بل صحبه في مجمع نيم في يوليو 1096م؛ وذلك لتحميس أكبر عدد من الناس للمشاركة في الحملة.

وغير ريمون الرابع فقد استجاب عدد آخر من الأمراء، وسيأتي تفصيل ذكرهم عند الحديث عن تقسيم الجيوش الصليبية إلى مجموعات قبل الخروج.

سادسًا: لم يكتف البابا بمراسلة الملوك والأمراء فقط، بل راسل أيضًا العسكريين والاقتصاديين في ميناء جنوة الإيطالي للمساعدة بأسطول بحري يسهِّل مهمة الحملة الصليبية، وقد استجاب الجنويون لنداء البابا، وأعدوا اثنتي عشرة سفينة بحرية، وناقلة كبيرة للجنود، وذلك في مقابل امتيازات كبيرة في بلاد الشام عند احتلالها.

سابعًا: لم يقتصر البابا على المراسلات المكثفة التي أرسلها لكل رءوس الدول والإمارات، إنما أخذ يتجول بنفسه في مدن كثيرة وقرى عديدة، داعيًا لنفس المهمة، فعقد مجمعًا في ليموج Limoges في ديسمبر 1095م بعد المؤتمر الأول بأقل من شهر، ثم في عام 1096م قام بعدَّة جولات في أنجرز ومان وتورز وبواتييه وبوردو وتولوز ونيم، وهذا كان في الفترة من يناير إلى يوليو 1096م.

وقد أسفرت هذه الجهود عن تجميع عدد كبير من الجنود جُلُّهم من فرنسا، وإن كان هناك جنود جاءوا كذلك من إيطاليا وإنجلترا وإسبانيا، بل ومن بعض البلاد البعيدة مثل إسكتلندا والدنمارك.

ثامنًا: هدَّد البابا بأن كل من يقرِّر المشاركة ويحمل شارة الصليب ثم يتخلف عن الخروج فإنه سيعاقب بعقوبة الحرمان؛ وقد فعل ذلك لكي يتجنب خطورة الحماسة الطارئة التي ما تلبث أن تفتر، فيجد أن الأعداد الكبيرة لم تصبر معه على الخروج مما ينذر بخطر كبير. وهو بذلك التهديد قد ضمن أن كل من عرض الخروج سيخرج؛ وبذلك يستطيع أن يبني حساباته على أرقام صحيحة.

لقد كان جهدًا كبيرًا ومنظمًا بذل فيه الكثير من الوقت والفكر والمال، وجمعت فيه جهود أوربا الغربية في قضية واحدة، وهذا لم يحدث منذ عدة قرون، ومنذ سقوط الإمبراطورية الرومانية القديمة.

بعد ذلك الاستعراض لخلفية أوربا التاريخية، ولخلفية البابا الفكرية، وللجهود التي بذلت، وللجموع التي استجابت للدعوة نستطيع أن ندرك البواعث الحقيقية لهذه الحملة الصليبية.

إن كثيرًا من المؤرخين يجعل الباعث وراء الحملة الصليبية سببًا معينًا واحدًا أو رئيسيًّا، وينكر ما دونه من أسباب ودوافع، وهذا ينافي الواقع الذي رأيناه، وينافي خروج هذا الشتات من الناس، حيث يمثِّلون عدة طبقات من المجتمع الأوربي، وعدة بلاد مختلفة، وعدة أمراء وزعماء، وعدة لغات ولهجات، وعدة مستويات اجتماعية.

إن هذا التنوع العجيب يثبت -بما لا يدع مجالاً للشك- أنه ليس هناك دافع واحد جمع كل هذا الشتات، إنما كانت الدوافع مختلفة، والبواعث متعددة، وأفلح البابا أوربان الثاني في الضرب على كل وتر؛ حتى يقنع الجميع بالخروج في رحلة واحدة وهدف واحد.
avatar
زعيم التنانين
الزعيم
الزعيم

البلد : مصر
المتصفح : Firefox
ذكر
عدد المساهمات : 702
العمر : 22
العمل/الترفيه : مصصم
المزاج : رايق
تاريخ التسجيل : 17/10/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://kingdom.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

بواعث الحملة الصليبية ضد العالم الإسلامي

مُساهمة من طرف زعيم التنانين في الثلاثاء يوليو 19, 2011 1:53 pm

بواعث الحملة الصليبية ضد العالم الإسلامي

بقلم د/راغب السرجاني



نستطيع بملاحظة تاريخ أوربا قبل الحملة الصليبية، وبملاحظة طرق التحميس، وبملاحظة خط سير الحملة الأولى، والمواقف التي تمت في رحلة الذهاب إلى أرض الشام، ثم بملاحظة الأحداث التي رأيناها أثناء الحروب الفعلية في آسيا الصغرى والشام وفلسطين، نستطيع بملاحظة كل هذه الأمور أن نحدِّد البواعث التي دفعت هذه الجموع المختلفة أن تجتمع للخروج في الحملة الصليبية.

بواعث الحملة الصليبية

وهذه البواعث تضم ما يلي:

أولاً: الباعث الديني
وهذا الباعث يشكِّل أحد الدعامات الرئيسية لهذه الحملة، وإن لم يكن كما ذكرنا الدافع الوحيد، ونحن نعلم من القرآن الكريم، وكذلك من السُّنَّة المطهرة أن الحرب أبدية بين الإسلام ومن يرفضه، ولن يقنع الكثير من الناس بالتعايش السلمي مع الإسلام حتى لو مدَّ الإسلام يده بالتصافح والتحابِّ؛ لذلك فليس مستغربًا أن يسعى البابا أوربان الثاني لحرب المسلمين حتى دون وجود مبررات معينة تدفع لهذه الحرب، فهم مسلمون وهذا في حدِّ ذاته يكفي أن يكون سببًا في حربهم. وقد تكررت في كلماته ألفاظ توحي بعدم اعترافه بالإسلام أصلاً، كإطلاق لفظ الكفار أو الوثنيين على المسلمين، وعلى ذلك فالدافع الديني واضح عند البابا، ولا شك أنه واضح أيضًا عند بعض القساوسة والرهبان، كما أنه واضح أيضًا عند بعض الأمراء والقوَّاد.

وفوق كل ذلك فالهدف الديني هو الهدف المعلن للحملة، وإنقاذ الدولة البيزنطية من المسلمين كان السبب المتداول بين الناس، إضافةً إلى ادِّعاء البابا أن المسلمين يضطهدون الحجاج المسيحيين، وإن كان واضحًا أن هذا الادِّعاء ما ذكر إلا للاستهلاك المحلي في أوربا فقط، ولتحميس الجيوش والشعوب النصرانية؛ لأنه لم يثبت أبدًا أن المسلمين اضطهدوا الحجاج النصارى، وقد ذكر أحد كبار المؤرخين الأوربيين وهو غيورغي فاسيلييف أن المسيحيين بوجه عام تمتعوا بقسط وافر من الحرية الدينية وغير الدينية في ظل الحكم الإسلامي، فلم يسمح لهم فقط بالاحتفاظ بكنائسهم القديمة، وإنما سمح لهم أيضًا بتشييد كنائس وأديرة جديدة، جمعوا في مكتباتها كتبًا دينية متنوعة في اللاهوت. ويقول تومبسون -وهو مؤرخ-: "إن المسيحيين الذين خضعوا لحكم السلاجقة صاروا أسعد حالاً من إخوانهم الذين عاشوا في قلب الإمبراطورية البيزنطية ذاتها".

بل إن كلام بطريرك القدس ثيودسيوس شخصيًّا في إحدى رسائله إلى بطريرك القسطنطينية سنة (255هـ) 869م امتدح المسلمين، وأثنى على قلوبهم الرحيمة، وتسامحهم المطلق، حتى إنهم سمحوا للمسيحيين ببناء مزيد من الكنائس دون أي تدخل في شئونهم الخاصة، وقد ذكر بطريرك القدس في رسالة حقيقية مهمة حين قال: "إن المسلمين قوم عادلون، ونحن لا نلقى منهم أي أذى أو تعنت".

هذه الكلمات والشهادات وغيرها تثبت -بما لا يدع مجالاً للشك- أن كلام البابا أوربان الثاني عن اضطهاد المسلمين للحجاج المسيحيين ما هو إلا فِرْية لا أصل لها، وتغطية مكشوفة على الدوافع الحقيقية وراء هذه الحملة العنيفة.

وفوق هذا فإننا لم نَرَ في سلوك المحاربين في هذه المعارك -سواء في رحلتهم إلى بيت المقدس أو في أثناء حروبهم- أيَّ علامات للزهد أو الورع الذي يتصف به المتدينون، بل كانوا في غاية السفاهة والحمق، وبلغوا الذروة في الشر والإجرام، بل إنهم لم يتصفوا بذلك فقط عند تعاملهم مع المسلمين، بل كذلك عند تعاملهم مع النصارى الشرقيين، وسنرى طرفًا من هذا السلوك المقيت في أكثر من موضع من مواضع هذه القصة، سواء مع نصارى المجر والنمسا وبلغاريا أو مع نصارى القسطنطينية ذاتها، التي زعموا أنهم جاءوا لإنقاذها!

إذن كان الباعث الديني موجودًا، ولكنه ليس هو الدافع الوحيد، بل لا ينبغي أن يُضخَّم كثيرًا؛ فعموم الحملة الصليبية لم يكن يعنيهم الدين لا من قريب ولا من بعيد، وإن كانوا جميعًا يضعون شارة الصليب على أكتافهم، ويدَّعون أنهم يريدون المغفرة!!

ثانيًا: الباعث الاقتصادي

وهذا الباعث أيضًا من أهم البواعث في هذه الحملة الصليبية، فالجموع الهائلة من العامة خرجت لإحباطها التام من الحصول على أي قسط من رغد الحياة في أوربا، فخرجوا يبحثون عنها في فلسطين، وهم لن يخسروا شيئًا، فحتى الموت أفضل من حالتهم البائسة تحت نير الإقطاعيين والملوك.

والأمراء الإقطاعيون ما خرجوا إلا بغية الثراء والتملك، وقد كانت الحرب في فلسطين فرصة للكثيرين من أمراء أوربا لتحقيق طموحات استحال عليهم تحقيقها في أوربا؛ لأن القانون الأوربي آنذاك كان يمنع تقسيم الميراث على كل الأبناء، بل كانت تنتقل الإقطاعية بكاملها إلى الابن الأكبر بعد وفاة الأب الأمير، وذلك حتى لا تتفتت الثروة وتقلُّ الأرض، وبالتالي تسقط الهيبة والكلمة. وهذا الوضع خلق جيلاً من الأمراء لا أمل عندهم في التملُّك، فلما فتحت أمامهم أبواب الحرب في فلسطين سارعوا جميعًا للحصول على أي ملكية؛ لينافسوا بذلك إخوانهم الكبار.

وكان هذا الباعث الاقتصادي واضحًا أيضًا عند تجَّار الموانئ الإيطالية، وأشهرها البندقية وبيزا وجنوة، وكذلك تجَّار مرسيليا الفرنسية، وغيرهم من تجار أوربا؛ فقد رأى هؤلاء التجار أن الفرصة لتحقيق المصالح الذاتية لهم، ولو على حساب البابوية والكنيسة، وكان تبادل المصالح واضحًا جدًّا بينهم وبين الكنيسة، فالصليبيون لن يستطيعوا الاستغناء أبدًا عن معونة الأساطيل البحرية، والتجار سوف يأخذون مقابلاً سخيًّا نظير هذه المعونة، وهذا المقابل كان عبارة عن امتيازات خاصة تُعطَى للجمهورية التي تساهم في هذه الحروب المتواصلة، ولم تكن الامتيازات تشمل فقط حرية التجارة في البلاد المفتوحة، بل كانوا يُعْطَون في كل مدينة تُفتح شارعًا وسوقًا وفندقًا به حمام ومخبزًا خاصًّا، وكان التنافس بين الجمهوريات الإيطالية في هذا المجال كبيرًا جدًّا، بل كان التصارع والتقاتل، وما لبثت مرسيليا أن سارت على نهجهم، وتنافست معهم، وأخذت امتيازات قوية في بيت المقدس ذاته.

ولا يخفى على أحد أن النوايا الدينية لم تشغل أبدًا أذهان هؤلاء التجار الجشعين، وكانت كنوز الشرق وأراضيه هي الباعث الأكبر لهم على بذل كل الجهد لإنجاح الحملة الصليبية.

ثالثًا: الباعث السياسي

وهذا الباعث الذي يهدف إلى توسيع النفوذ وقهر المنافسين، كان باعثًا رئيسيًّا عند البابا أوربان الثاني شخصيًّا، وكذلك عند ملوك أوربا، وهؤلاء الملوك لم يكن طموحهم يقف عند شيء، وكانت قوة كل ملك فيهم ترتبط بالمساحة التي يسيطر عليها، وهذا دفعهم بعد ذلك للمشاركة بقوة في الحملات الصليبية عندما شاهدوا النجاحات التي حققتها الحملة الأولى.

كما أن ملوك أوربا كانوا يرون أن الدولة البيزنطية دخلت طورًا واضحًا من أطوار الضعف، ولو سقطت فإن هذا يعني فتح الباب الشرقي لأوربا لقوات المسلمين العسكرية، سواء من السلاجقة أو من غيرهم، وهذا قد يضعهم بين فكي كماشة، أي المسلمين القادمين من الشرق والمسلمين في أرض الأندلس؛ لذلك رأينا أنه برغم التباطُؤ الذي رأيناه من الملوك في بداية الحملات إلا أنهم تسارعوا بعد ذلك للمشاركة، بل ذهب بعضهم بنفسه إلى أرض فلسطين أو مصر على قيادة جيوشه.

رابعًا: الباعث الاجتماعي

مرَّ بنا عند الحديث عن الحالة في أوربا قبيل الحروب الصليبية، الحالةُ المزرية التي كان يعيشها الفلاحون والعبيد في أوربا؛ ففضلاً عن قلة الأقوات وانعدام الطعام والشراب، كانت المعاملة في غاية السوء، ولم يكن لهم حقوق بالمرَّة، بل كانوا يباعون مع الأرض، ولا يسمح لهم بأي نوع من الملكية، والإنسان قد يصبر على الجوع أحيانًا لكن الامتهان النفسي والأذى المعنوي، قد يكون أشد ألمًا من الجوع والعطش؛ ولذلك رأى العوام الفلاحون في أوربا أن هذه فرصة لتغيير نظام حياتهم، والخروج المحتمل من قيود العبودية المذلَّة؛ ولذلك خرج الفلاحون بنسائهم وأولادهم، وحملوا معهم متاعهم القليل البسيط، لقد كان خروجًا بلا عودة، وتغييرًا كاملاً للأوضاع، وثورة حقيقية على حياة التعاسة والاستغلال؛ لذلك سنرى أثناء الأحداث أن هذه الجموع البائسة ما صبرت حتى تكتمل الجيوش وتنتظم، بل خرجت بمفردها مسرعة، وكأنها تهرب من أسرٍ طويل!

ولقد شارك هؤلاء البائسين فريقٌ آخر من المجرمين والخارجين على القانون الذين كانوا يعانون أحكامًا قضائية أو مهددين بذلك، وقد وجدوا الخروج ليس فرصة للنجاة من الأحكام وحسب، ولكنه فرصة أيضًا لمزاولة السلب والنهب والقتل والاغتصاب كما اعتادوا ذلك في حياتهم؛ وهذا سيعطي الحملات الصليبية صبغة إجرامية لا يمكن تجاهلها أبدًا.

كانت هذه هي البواعث التي من أجلها تحركت أوربا لغزو العالم الإسلامي، والسيطرة على أرضه ومقدراته وشعوبه.

تُرى عن أي شيءٍ أسفرت هذه الجهود والإعدادات؟ وكيف كانت الصورة عندما خرجت أول الجموع إلى الشام؟ وماذا فعلت هذه الجيوش الكثيفة مع ملك القسطنطينية قبل أن تعبر إلى أراضي المسلمين؟ هذا ما سنعرفه في المقالات القادمة بإذن الله.
avatar
زعيم التنانين
الزعيم
الزعيم

البلد : مصر
المتصفح : Firefox
ذكر
عدد المساهمات : 702
العمر : 22
العمل/الترفيه : مصصم
المزاج : رايق
تاريخ التسجيل : 17/10/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://kingdom.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القضاء على حملات الدعاة

مُساهمة من طرف زعيم التنانين في الثلاثاء يوليو 19, 2011 2:00 pm

القضاء على حملات الدعاة

بقلم د/راغب السرجاني

التجمع الصليبي في القسطنطينية



وصل إليها بطرس الناسك في أوائل أغسطس (488هـ) 1096م إلى أسوار القسطنطينية؛ ليلتقي مع والتر المفلس وفرقته، ليصبح التجمع الصليبي كبيرًا جدًّا. وتختلف الروايات في تقدير عدد هؤلاء الفلاحين والمغامرين، حيث تقدرهم بعض الروايات بخمسة وعشرين ألفًا، بينما تصل بهم بعض الروايات إلى مائة ألف صليبي، هذا بخلاف النساء والأطفال.

وعند قدوم بطرس الناسك استقبله الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس كومنين استقبالاً حسنًا، وإن كان متعجبًا لهذه الجموع الهمجية التي أرسلتها أوربا لنجدته من المسلمين، غير أنه أدرك أن هذه الجموع ما هي إلا مقدِّمة للجيوش الصليبية المدربة؛ ومن هنا نصح الإمبراطور بطرس الناسك ومن معه بانتظار الجيوش النظامية، وعدم التهوُّر بمقابلة الجيوش السلجوقية المدربة.

غير أن الجموع النصرانية ما لبثت أن كررت الفساد في القرى والضِّياع المحيطة بالقسطنطينية، وكادت السيطرة تفلت من أيدي الجيش البيزنطي؛ مما دفع الإمبراطور البيزنطي إلى سرعة نقل هذه الجموع المفسدة عبر مضيق البسفور إلى آسيا الصغرى حيث السلاجقة المسلمين؛ وذلك ليؤمِّن منطقة القسطنطينية وما حولها. ومع غضبه الشديد إزاء هذه الأعمال المتهورة إلا أنه أمدَّهم بالنصح والإرشاد، وساعدهم بالسفن البيزنطية، وأعطاهم بعض السلاح، وأرسل معهم بعض العيون والخبراء.

السلطان قلج أرسلان وفخ محكم

دخلت الجموع الصليبية إلى آسيا الصغرى، ولم يطيقوا الصبر حتى تأتي جيوشهم المحترفة، فقاموا بالإغارة على بعض القرى المسلمة، وقتلوا وسلبوا ونهبوا، وزادهم هذا إغراءً فتمادوا في الغيِّ، وهم لا يدركون أنهم أصبحوا على بُعد عدة كيلو مترات فقط من مدينة نيقية قاعدة السلطان قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش، سلطان السلاجقة في آسيا الصغرى آنذاك.

دبَّر السلطان قلج أرسلان مكيدة حربية، واستطاع الإيقاع بالجموع الساذجة في فخٍّ محكم، وحاصرت الجيوش السلجوقية جموع الصليبيين، ودارت معركة سريعة ظهر فيها الجهل الواضح لهذه الجموع الشعبية، لينطلق السلاجقة في قتل معظم هذه الجموع، حتى كادت تُباد عن آخرها، لولا أن الإمبراطور البيزنطي سمع بأنباء الكارثة، فأرسل سفنًا حربية وبعض الجنود البيزنطيين الذين استطاعوا إنقاذ ثلاثة آلاف صليبي فقط، بينما دُمِّر الباقي تمامًا في الكمين السلجوقي. وكان ممن قتل في هذا الصدام والتر المفلس، بينما نجا بطرس الناسك الذي كان في مقابلة مع الإمبراطور البيزنطي وقت وقوع الجموع الصليبية في الكمين السلجوقي.

كانت صدمة قاسية جدًّا للإمبراطور البيزنطي، وبطبيعة الحال لبطرس الناسك، واحتفظ الإمبراطور بالبقية الباقية من هذه الجموع وقائدهم بطرس الناسك في مدينة القسطنطينية؛ ليكونوا في انتظار الجيوش الصليبية المحترفة.

وهكذا كانت النهاية المأساوية لكل الحملات الشعبية، سواء على يد ملك المجر كولومان أو على يد السلاجقة المسلمين؛ ليدفع فقراء أوربا وفلاحوها ثمن الغرور الذي ملأ رجال دينهم وأمراءهم وإقطاعياتهم، وهكذا دومًا تدفع الشعوب المغلوبة على أمرها ثمن هوانها وذلتها!

وبينما كان الحال كذلك مع هذه الحملات الشعبية كان العمل يجري على قدم وساق في أوربا الغربية وخاصةً فرنسا؛ لتجميع الجيوش النظامية وبأعداد ضخمة لم تسبق في تاريخ أوربا، بل لعلها لم تسبق في تاريخ العالم أجمع!
avatar
زعيم التنانين
الزعيم
الزعيم

البلد : مصر
المتصفح : Firefox
ذكر
عدد المساهمات : 702
العمر : 22
العمل/الترفيه : مصصم
المزاج : رايق
تاريخ التسجيل : 17/10/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://kingdom.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الإعداد العسكري للحملة الصليبية الأولى

مُساهمة من طرف زعيم التنانين في الثلاثاء يوليو 19, 2011 2:11 pm

الإعداد العسكري للحملة الصليبية الأولى

بقلم د/راغب السرجاني

الوحدة الأوربية ضد المسلمين



لم تعرف أوربا الغربية في هذا الوقت الوحدة بأي شكل من الأشكال، ولم يحدث
منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية العظمى في سنة 476م -أي منذ أكثر من ستة
قرون- أن تجمعت جيوش الدول الأوربية الغربية في معركة واحدة، اللهم إلا
المساعدات التي كانت تقدمها هذه الدول -وخاصةً فرنسا- للممالك النصرانية في
شمال الأندلس في حروبهم ضد مسلمي الأندلس.

بل لم تعرف الدول ذاتها في ذلك الوقت الوَحْدة الداخلية، فكانت كل دولة أو مملكة مقسمة لعدة إقطاعيات، وعلى كل إقطاعية أمير يحكمها فيما يشبه الحكم الذاتي، وإن كان يدين بالولاء للملك الذي يجمع الإقطاعيات معًا، وإن كان هذا الولاء كثيرًا ما يكون ولاءً شكليًّا لا واقعيًّا.

إن وضعنا هذه الخلفية في أذهاننا، فإننا سندرك أن تجميع هذه الإقطاعيات المتعددة في جيش واحد منظم سيكون أمرًا صعبًا جدًّا، بل إنه يكاد يكون مستحيلاً، وهذا سيعني أن الحملة الصليبية غالبًا ستكون مكوَّنة من عدة جيوش منفصلة، على رأس كل جيش أمير له أحلامه الخاصة، وله ولاءاته الخاصة أيضًا، وقد يحدث التعاون بين هذه الجيوش المتعددة في بعض المواقف، ولكنه -لا شك- سيحدث أيضًا التعارض والتشاحن بين نفس الجيوش، خاصةً أن الكثير ممن شارك في هذه الحملة الصليبية الأولى كان متنافسًا مع أمراء آخرين شاركوا في نفس الحملة؛ مما سيفرز مواقف ذات طابع خاص، كلها يثبت في النهاية أن المطامع الشخصية والأهواء الخاصة كانت هي الدافع الوحيد لخروجهم -أو على الأقل لخروج معظمهم- ولم يكن في اعتبارهم أبدًا الدين أو الكنيسة أو الصليب.

جيوش الحملة الصليبية الأولى

وبالنظر إلى الجيوش التي كوَّنت الحملة الصليبية الأولى، نجد أنها عبارة عن خمسة جيوش مستقلة:

1- الجيش الأول
كان الجيش الأول بقيادة الفرنسي جودفري دي بوايون GODFREY DE Bouillon وهو أمير لوثرتجيا جودفري البولوني، وكان بصحبته أخوه الأمير بلدوين، كما التحق بجيشه عدة أمراء آخرين معظمهم من فرنسا، وقد أعطت كثرة الأمراء في هذا الجيش صبغة خاصة من الأهمية له، وكانوا في المعظم من منطقة اللورين شمال فرنسا، وكان في هذا الجيش أيضًا بعض الألمان.

والأمير جودفري بوايون وإن كان فرنسيًّا إلا أنه كان يدين بالولاء للإمبراطور الألماني القوي هنري الرابع، ولم يكن يدين بالولاء للملك الفرنسي الضعيف آنذاك فيليب الأول، وكان جودفري بوايون يحرص على أن يكون قائدًا عامًّا لكل الحملة الصليبية، يؤيده في ذلك كثرة الأمراء في جيشه خاصة.

2- الجيش الثاني
أما الجيش الثاني فكان جيشًا مهمًّا أيضًا؛ إذ كان على رأسه الأمير ريمون الرابع كونت تولوز والبروفنسال، وهو الجيش القادم من جنوب فرنسا، وكان هذا الجيش يكتسب أهمية خاصة لكون الأمير ريمون يعتبر نفسه -كما كان جودفري بوايون- أهمَّ قواد الحملة الصليبية. وكان الأمير ريمون أكبر الأمراء سنًّا، كما أنه كان من أوائل الذين استجابوا لدعوة البابا أوربان الثاني، بل إنه صاحبه في أكثر من مؤتمر لجمع المحاربين، وهو الذي قبل ذلك شارك في حرب المسلمين في بلاد الأندلس، وكان صاحب صبغة دينية واضحة، وكان مقربًا من البابا حتى إن البابا جعلَ في جيشه هو دون غيره ممثلَ الكنيسة أديمار أسقف لوبوي، وفوق كل ذلك فإن جيشه كان أكبر الجيوش الصليبية؛ كل هذه المقومات جعلت الأمير ريمون الرابع يطمع في أن تكون إمارة الجيوش العامة معه هو، وليس مع غيره.

3- الجيش الثالث
وأما الجيش الثالث فكان بقيادة الأمير روبرت دوك نورماندي Robert Duke Normandy الذي كان يصطحب معه زوج أخته ستيفن كونت بلوا Stephen Blois، وكان هذا الجيش من غرب فرنسا في الأساس، إضافةً إلى جيش نورماندي مع الكثير من الفرسان الإنجليز.

4- الجيش الرابع
وكان الجيش الرابع فرنسيًّا أيضًا، ولكنه كان جيشًا صغيرًا، ويبدو أنه كان تمثيلاً شرفيًّا لملك فرنسا فيليب الأول، حيث كان على قيادة الجيش شقيق الملك شخصيًّا، واسمه هيو، وكان كونت قرماندو Hugh count vermanois.

5- الجيش الخامس
أما الجيش الخامس والأخير فكان جيشًا خطيرًا ومهمًّا، وهو الجيش الإيطالي القادم من جنوب إيطاليا، والمكوَّن من المقاتلين النورمان الأشداء، وكان على قيادته الأمير الطموح بوهيموند ابن روبرت جويسكارد، وكان هذا الأمير يطمح -كما كان جودفري بوايون وريمون الرابع يطمحان- إلى قيادة الجيوش مجتمعة، وكان يؤيِّده في ذلك أن جيشه هو أقوى الجيوش تنظيمًا، وأكفأهم عسكريًّا، وأشدهم قتالاً. ثم إنه ابن روبرت جويسكارد، وكان من أقوى أمراء أوربا مطلقًا، وهو الذي استطاع إخضاع البلقان لسيطرته بعد أن هزم الدولة البيزنطية ذاتها، كما أن لبوهيموند خبرة سابقة في حصار أنطاكية سنة 1081م، ومواجهة الدولة البيزنطية هناك. وكان بصحبة بوهيموند ابن أخته الأمير تانكرد، وهو من الأمراء الأشداء الطموحين أيضًا، كما اصطحب أيضًا عددًا من الأمراء النورمان الأكفاء.

وهكذا نجد أن الجيوش الصليبية لم تجمعها قيادة موحَّدة، بل كان القواد من البداية يتصارعون على القيادة العامة، كما أن كل واحد منهم كانت أحلامه الخاصة تراوده في التوسع والتملك.

تحرك الجيوش الصليبية



كان أول الجيوش الصليبية تحركًا ووصولاً إلى الدولة البيزنطية هو الجيش الرابع الصغير، ولكنه كان تعيس المصير؛ إذ سلك الطريق البحري، وأصابته عاصفة شديدة بالقرب من سواحل الإمبراطورية البيزنطية، فهلك الكثير منه، وأنقذت فرقة من البحرية البيزنطية بقية الجيش، وقابل الأمير هيو الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس كومنين، ولم يكن عجيبًا في مثل هذه الظروف أن يُقسِم الأمير يمين الولاء والتبعية للإمبراطور البيزنطي، كما أقسم على أنه سيبذل كل جهده لتحرير البلاد التي أخذها المسلمون من سلطان الدولة البيزنطية.

ولم يكن هذا الجيش -كما هو واضح- مؤثرًا بشكل من الأشكال في خط سير الأحداث.

أما الجيش الذي وصل بعد ذلك فكان الجيش الأول، وهو جيش جودفري بوايون، ونحتاج إلى وقفة مهمة مع هذا الجيش.

لقد سلك هذا الجيش الطريق البريّ الذي سلكه قبل ذلك بطرس الناسك ووالتر المفلس وبقية الحملات الشعبية، وبالتالي فسيمر على المجر وغيرها من المناطق التي تحمل ذكريات مؤلمة للأوربيين الغربيين، وقد تصطدم هذه الجيوش مع ملك المجر القوي كولومان؛ مما قد يعطِّل مسيرتها ويبدِّد قوتها؛ لذلك قرَّر جودفري بوايون في ذكاء شديد أن يعقد اجتماعًا مهمًّا مع ملك المجر على الحدود الألمانية المجرية وقبل أن يدخل الأراضي المجرية؛ ليعقد معاهدة مع هذا الملك يضمن فيها عدم المساس بأية ممتلكات، وعدم إيقاع الضرر بأي إنسان مجريٍّ، ولكي يطمئن ملك المجر إلى وفاء الأمير جودفري فإنه قرر أن يترك أخاه الأمير بلدوين رهينة عند ملك المجر لحين عبور الجيش الصليبي، كما أصدر جودفري الأوامر المشددة لجيشه بعدم القيام بأي عمليات سلب أو نهب في المنطقة.

وهكذا عبر الجيش الصليبي الأول مملكة المجر بأمان، ثم عندما دخل إلى الأراضي البيزنطية قابل وفدًا للإمبراطور البيزنطي، وذلك فيما بين بلجراد ونيش، وتعهد لهذا الوفد أيضًا بعدم المساس بأية ممتلكات بيزنطية، وفي المقابل تعهدت الإمبراطورية البيزنطية بتقديم كل ما يلزم الجيش الكبير من تموين ومساعدات حتى وصولهم إلى أرض المسلمين.

ثم أكمل الجيش الصليبي طريقه حتى وصل إلى شاطئ بحر مرمرة عند مدينة سليمبريا Selymbria البيزنطية، وذلك في (489هـ) منتصف ديسمبر 1096م، وهناك فَقَد جودفري بوايون السيطرة على جيشه الذي لم يستطع أن يتمالك نفسه أمام ثراء المدينة، فقام الجنود بسلب المدينة ونهبها.

وكانت هذه الحادثة علامة إنذار واضحة للإمبراطور البيزنطي تخيفه من هذه الجنود التي أتت من غرب أوربا، ووقف الإمبراطور البيزنطي يحلِّل الموقف بدقة.

إنه لم يأت بهؤلاء الجنود إلى هذا المكان، ولم يستنجد بالبابا إلا ليدفع خطر المسلمين، ويعيد امتلاك ما أخذ منه على مدار السنوات القادمة، وعلى هذا فالذي كان في حساباته أن هذه الجيوش ستكون كالجنود المرتزقة الذين تعوَّدت الإمبراطورية البيزنطية على استيرادهم قبل ذلك، فهم سيقومون بمهمة ثم يأخذون أجرهم، وينتهي بذلك دورهم.

أما ما رآه الإمبراطور البيزنطي من آثار الحملات الصليبية السابقة، ومن جيش جودفري بوايون الآن فشيء يدعو إلى القلق العميق؛ لأن هذه الجموع التي جاءت بنسائها وأولادها جاءت لتستقر، كما أنها لا تحسب حسابًا للدولة البيزنطية العظمى. ثم إن الجيوش الصليبية النظامية كبيرة وقوية، وهذا الجيش الأول بقيادة جودفري جيش محترف، وله بأس وقوة، فكيف إذا اجتمعت الجيوش الصليبية كلها؟!

ثم إن الإمبراطور البيزنطي استرجع بذاكرته قصة المغامر النورماندي رسل دي باليل Roussel de Bailleul الذي كان من الجنود المرتزقة المأجورة مع فرقته الإيطالية لدى الإمبراطورية البيزنطية، ثم ما لبث أن أعلن عصيانه سنة (465هـ) 1073م على الدولة البيزنطية وحاربها وأنزل بها ضررًا بالغًا، ولم تنته قصته إلا بفَقْد عدد مهم من المدن البيزنطية أخذها السلاجقة المسلمون بعد الاتفاق مع الإمبراطور البيزنطي على التخلص من رسل باليل في مقابل أخذ ما يسيطرون عليه من المدن، وإذا كان رسل باليل قد أحدث كل هذا الضرر بثلاثة آلاف مرتزقة كانوا معه، فكيف سيكون الحال مع جيش كجيش جودفري، أو المصيبة الكبرى لو اجتمعت الجيوش الصليبية كلها على أمر واحد.

لذلك قرر الإمبراطور المحنك ألكسيوس كومنين أن يتعامل بالحزم من أول الأمر مع جودفري، كما حرص كل الحرص على إنهاء مشكلته قبل أن يأتي جيش صليبي آخر فتزداد المشكلة تعقيدًا.
avatar
زعيم التنانين
الزعيم
الزعيم

البلد : مصر
المتصفح : Firefox
ذكر
عدد المساهمات : 702
العمر : 22
العمل/الترفيه : مصصم
المزاج : رايق
تاريخ التسجيل : 17/10/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://kingdom.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى